مع اقتراب العام الدراسي 2025/2026 من محطته الأخيرة، تضع وزارة التربية اللمسات النهائية على حزمة من القرارات الاستراتيجية التي تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في منظومة التعليم الأساسي.
وفي الوقت الذي تتوجه فيه الأنظار نحو امتحانات المرحلة الثانوية لطلبة الصفين العاشر والحادي عشر المقرر انطلاقها يوم الأربعاء المقبل، تفيد الأنباء الواردة من أروقة الوزارة بوجود تحول جوهري يخص قطاع التعليم الابتدائي.
القرار الجديد والمرتقب، والذي تشير المصادر إلى أنه شارف على الاعتماد النهائي، يقضي بإعادة تطبيق نظام الامتحانات التحريرية على طلبة الصفين الرابع والخامس الابتدائي. وتأتي هذه الخطوة كاستجابة مباشرة للمتطلبات الميدانية التي فرضت مراجعة شاملة لآليات التقييم المتبعة حالياً.
دوافع القرار: لماذا تبحث وزارة التربية العودة لنظام الاختبارات؟
لم يكن التوجه نحو إعادة منظومة الامتحانات للمرحلة الابتدائية وليد الصدفة، بل جاء نتاج دراسات تقييمية وملاحظات ميدانية رصدتها الفرق التوجيهية داخل المدارس. ويمكن تلخيص أبرز الدوافع وراء هذا التوجه في النقاط التالية:
- رفع مستويات التحصيل الدراسي: لوحظ في الآونة الأخيرة تراجع نسبي في الكفاءة العلمية التراكمية لدى بعض الطلبة عند انتقالهم للمراحل الأعلى، مما استدعى وجود أداة قياس دقيقة وموضوعية.
- تعزيز الانضباط والجدية: تهدف الاختبارات إلى إعادة بث روح الالتزام الدراسي والمواظبة على مدار العام، سواء من قِبل الطلبة أو أولياء الأمور، والابتعاد عن حالة التراخي التي قد تصاحب التقييم المستمر غير المبني على اختبارات مقننة.
- ضبط منظومة القياس: تسعى الوزارة إلى توحيد معايير قياس نواتج التعلم الحقيقية بما يضمن العدالة والشفافية في رصد درجات الطلاب والوقوف على مستوياتهم الفعلية.
بعد غياب 6 سنوات: استرجاع إرث ما قبل “كورونا”
تُعيدنا هذه الخطوة المرتقبة إلى الوراء ست سنوات كاملة؛ وتحديداً منذ الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2019/2020. في ذلك الوقت، فرضت الحالة الصحية الطارئة وانتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) اتخاذ إجراءات احترازية مشددة لحماية سلامة الطلبة، كان من ضمنها تعليق الامتحانات التحريرية للمراحل الأولى والاعتماد على وسائل تقييم بديلة.
اليوم، وبعد استقرار الأوضاع التعليمية والصحية، تجد المؤسسة التربوية أن الوقت قد حان لاستكمال الدراسات الفنية والتنظيمية الرامية إلى استعادة هذا النظام الفعّال، بعد تقييم دقيق للمخرجات التعليمية خلال فترة التوقف الماضية.
دعم الجانب النفسي للطفل
تدرك وزارة التربية تماماً أن عودة الامتحانات لطلبة في هذه المرحلة العمرية المبكرة (الصفين الرابع والخامس) تتطلب توازناً دقيقاً بين الحزم التربوي والمراعاة النفسية. بناءً على ذلك، تعكف اللجان المختصة حالياً على مناقشة سيناريوهات وبدائل متعددة تضمن تطبيقاً آمناً للقرار:
1. طبيعة الأسئلة وصياغة الاختبارات
تتجه النقاشات نحو صياغة اختبارات تقيس الفهم والاستيعاب بدلاً من الحفظ والتلقين، بحيث تكون متناسبة تماماً مع القدرات الذهنية والعمرية للطلبة في الصفين الرابع والخامس، وتجنبهم ضغوط الاختبارات التقليدية الصارمة.
2. التهيئة النفسية والتربوية
تشمل الخطط التنفيذية للوزارة توجيه الإدارات المدرسية والمكاتب الخدمية والنفسية لتهيئة الأجواء العامة داخل المدارس، وبث رسائل طمأنينة لأولياء الأمور تؤكد أن الهدف من الاختبار هو التطوير والتحسين المستمر وليس التعجيز أو الإقصاء.
أبعاد رؤية التطوير الشامل لمخرجات التعليم
لا ينبغي النظر إلى قرار إعادة اختبارات الابتدائي كإجراء منفصل، بل هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية أوسع تتبناها وزارة التربية لتطوير العملية التعليمية وتحسين مخرجات التعليم العام. إن ربط المرحلة الابتدائية بمنظومة تقييم جادة يؤسس لقاعدة علمية صلبة تسهل على الطالب الانتقال بسلاسة وثقة نحو المرحلتين المتوسطة والثانوية، مما يسهم في النهاية في بناء جيل قادر على تلبية متطلبات المستقبل المعرفي والتنموي للدولة.




